السيد محمد الصدر

37

منة المنان في الدفاع عن القرآن

تكلّمت بهذا ولم تتكلّم بذاك ؟ المستوى الثاني : أنَّه ذكر الإبل للمزايا والصفات الموجودة فيها من قبيل : الصبر والتحمّل والقدرة على السفر ونحو ذلك ممّا لا يتوفّر في غيرها . المستوى الثالث : أنَّه ذكر الإبل باعتبارها أقرب شيء إليهم ؛ لأنَّهم يعرفونها حقّ المعرفة . المستوى الرابع : أن ننظر إلى الإبل بوصفها مأكولة اللحم ، ومع أنَّهم كانوا يسافرون عليها فترات طويلة ، كانوا إذا جاعوا ذبحوها وأكلوا لحمها وشربوا ما في أجوافها من مياه ، بل حتّى أبوالها عند الضرورة ، وما ذُكر لا يتوفّر في غيرها من الحيوانات ؛ فالخيل لا يُشرب بولها ، كما أنَّ لحمها أصلب من لحم الإبل ، إضافةً إلى الكراهة الشرعيّة والعرفيّة ، مع أنَّ الإبل لا كراهة في أكل لحومها لا شرعيّاً ولا عرفيّاً . المستوى الخامس : أنَّ أعضاء بدن الإبل تختلف عن أعضاء سائر الحيوانات من الناحية الباطنيّة ، كالخلايا والعظام ، ومن الناحية الظاهريّة ، كالوبر والسنام وغيرها ، وهو ما يوجب امتيازها عن سائر الحيوانات . كان ما تقدّم إشارة إلى المستويات التي يمكن أن نفهمها من الأمر بالنظر إلى الإبل دون سائر الحيوانات ، وقد تقدّمت عدّة وجوه ، وقبل ذكر الوجوه الأُخرى نريد التنبيه على ضرورة النظر إلى العالم الآخر من هذا الحيوان ؛ لأنَّنا نعلم أنَّ لكلّ شيءٍ وجوداً دنيويّاً ووجوداً أُخرويّاً ، أو مادّةً وملكوتاً ، كما قال تعالى : مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ « 1 » . وقولنا : إنَّ لكلّ شيءٍ مادّةً بمعنى ما هو ملحوظٌ في عالم الإمكان ، لا كلّ شيء على الإطلاق ، بل

--> ( 1 ) سورة الأنعام ، الآية : 75 .